فخر الدين الرازي
62
المطالب العالية من العلم الإلهي
أما طريق الإجمال ، فمن وجوه : الأول : إن علم اللّه تعالى بالشيء المعين ، واجب الحصول مع حصول ذلك الشيء المعين ، لأنه لما ثبت أنه تعالى يجب كونه عالما بجميع المعلومات ، فعلى أي وجه يقع ذلك المعلوم ، يكون العلم متعلقا به ، كما هو عليه في نفسه . ثم إن العلم يمتنع أن يكون علة للمعلوم « 1 » وبالعكس . أما أن العلم يمتنع أن يكون علة للمعلوم ، فلأن العلم بالشيء ، تابع لذلك المعلوم ، فلو كان المعلوم معللا به ، لزم كون المعلوم تابعا للعلم . وهو دور ، والدور محال « 2 » . وأما أن المعلوم يمتنع أن يكون علة للعلم ، فهو ظاهر . فقد ثبت أن الدوران حاصل « 3 » قطعا مع علم اللّه تعالى بجميع المعلومات ، مع أنه يمتنع أن كون واحد منهما علة للآخر . الثاني : إن المعلول قد يكون مساويا للعلة ، وقد يكون أعم منها . أما الأول فمثل قولنا : طلوع الشمس علة لوجود النهار ، ووجود النهار أيضا لا يحصل إلا عند طلوع الشمس . فههنا العلة والمعلول متساويان . وأما الثاني . فمثل الحمى . فإنه قد يكون لعفونة الخلط ، وقد تكون لسبب آخر . وإذا ثبت هذا فنقول : العلة والمعلول إذا كانا متساويين في العموم والخصوص ، فكل واحد منهما دائر مع الآخر وجودا ، وعدما . والعلية والمعلولية غير مشتركة من الجانبين . فثبت أن الدوران لا يدل على العلية « 4 » . الثالث : إن الشيء الذي يدور مع غيره وجودا وعدما ، فإنه لا بد وأن يدور مع فصله المقوم لماهيته ، ومع خاصيته المساوية لماهيته ، فالدوران قدر مشترك بين العلة وبين غيرها ، فيمتنع كونه دليلا على العلية « 5 » بعينها . فهذه
--> ( 1 ) للمعلول ( ل ) ، ( طا ) . ( 2 ) باطل ( طا ) . ( 3 ) الدور باطل ( ت ) . ( 4 ) أن الدواء لا يدف على العلة ( ت ) . ( 5 ) العلية ( ل ) ، ( طا ) .